مفاعل ديمونا .. الغموض النووي!

بدعوة من احزاب المعارضة الاردنية والنقابات المهنية، القى الدكتور المهندس سفيان التل المستشار الدولي في شؤون البيئة محاضرة في مجمع النقابات المهنية مساء السبت 11 سبتمبر. حضرها جمع غفير من النواب وقاده احزاب المعارضه والنقابات المهنيه والمفكرين والعاملين في الحقل الاعلامي.

تعرض الدكتور التل في محاضرته الى تاريخ انشاء المفاعل منذ عام 1963 بمعونة فرنسا ودعم الولايات المتحدة الامريكية. واشار من خلال مجموعة من صور الاقمار الصناعية التي التقطت على مراحل زمنية مختلفة منذ تاسيس المفاعل وحتى عام 2000 الى الحفره الكبيره التي حفرت نحت الارض والتي بدأ العمل بها عام 1963 والى المباني التسع التي يتكون منها المفاعل والتي تنتج البلتونيوم والليثيوم والبريليوم واليورانيوم المشع والترينيوم.

وقد استهلك المفاعل منذ تاسيسه (1400) طن من اليورانيوم الخام ، حيث يعمل المفاعل بضعف طاقته بمعدل 16 ساعة يوميا بدل 8 ساعات، ولم يتم تزويده بابراج تبريد جديدة منذ عام 1971. واشار الى ان المواد النووية تنقل من المفاعل وتجمع في مركز تجميع الرؤوس النووية شمال حيفا ، حيث ان هذا المركز هو احد خمسة مراكز نووية في اسرائيل بالاضافة الى ديمونا.

وتحدث الدكتور التل عن انتاج البلوتونيوم حيث انه من اخطر العمليات في العالم كما ان كل 1 كيلوغرام ينتج 11 لتر سائل مشع وسام. واشار الى تصريحات فعنونو قبل سجنه والتي تؤكد ان المفاعل ينتج 9 أزرار اسبوعيا بوزن 130 غرام اي ما يساوي 40 كغم بلوتونيوم سنويا وبناء على ذلك استنتج ان قوة تشغيل المفاعل قد تصل الى 150 ميجاواط. كما ان خبراء الطاقة النووية استندوا الى هذه التصريحات وقدروا ان ديمونا يصنع 5 قنابل نووية بقوة 20 كيلواط للقنبلة الواحدة سنويا.

ثم عرض الدكتور التل خمسة عشر صورة للمفاعل من الداخل وتمثل صناديق او غرف العمليات وغرف فصل البلوتينيوم ولوحات السيطرة ونماذج مخبرية وانتاجية لنواة الاسلحة النووية بالاضافة الى غرفة مصفحة لمراقبة العمليات النووية. كما عرض صورة للغلاف الخارجي للمفاعل.

وحدد الدكتور سفيان التل احتمالات الاخطار الناتجة عن المفاعل بالتاكل والتصدع والانفجار الداخلي والزلازال والانزلاقات الارضية وانفجار طائرة محملة بالوقود فوق المفاعل والنفايات النووية والخطرة والسامة.
تم عرض مجموعة من الخرائط التي توضح موقع ديمونا ومحطات التحويل المحيطة به والمداخن حيث تقع المداخن شرقي ديمونا اقرب الى الحدود الاردنية.

كما اوضحت الخرائط مواقع المدن الاردنية التي تقع في مهب الرياح القادمة من المفاعل وهي الكرك والطفيلة والشوبك ومعان والبتراء هذا بالاضافة الى سكان الصافي ووادي عربة ومنشآت البوتاس في الجزء الجنوبي والذي جف من البحر الميت.


بعد ذلك اشار الدكتور سفيان التل الى مجموعة من الوثائق التي تؤكد اخطار ديمونا ومنها:

1- تقرير بثته القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي بتاريخ 1/7/2003 حيث اكد التقرير وفاة عشرات العمال بالسرطان ، وان الحرائق تقع داخل المفاعل بشكل يومي ، وان غيوم صفراء سامة تنبعث من داخل المفاعل ويستنشقها العمال. وان المياه الثقيلة المشبعة بالاشعاعات والنفايات النووية قد تسربت الى جرف جغرافي طبيعي متصل بامتداده مع المفاعل.

2- بحث علمي اجرته كل من جامعة بن جوريون ومصلحة المياه الاسرائيلية ومركز البحوث النووية في وادي سوريك ، ويؤكد البحث ان المواد المشعة تسربت الى المياه الجوفية في النقب ووادي عربة يسبب نشاط ديمونا وفي هذا السياق عرض صورة لمجموعة من طيور اللقلق التي شربت من بركة مياه قرب ديمونا حيث نفق 26 طيرا منها وبقي 5 فقط على قيد الحياة تنتظر نفس المصير. كما عرض صورة لاطفال فلسطينين يضخون الماء من بئر جوفي علما ان اسرائيل ترفض السماح للسلطة الفلسطينية بفحص تلك المياه.

3- اشار المحاضر في نفس السياق الى ان لجنة الصحة والزراعة (15 نائبا) في البرلمان المصري قد وجهت نداءا عاجلا الى الرئيس حسني مبارك لاتخاذ قرار يوقف استخدام المياه الجوفية في النقب وحذروا من احتمال تلوث المياه المتاخمة لاسرائيل.

4-وعن بديعوت احرنوت عام 2000 نقل المحاضر عن العالم الصهيوني عوزي اييان والذي عمل في مفاعل ديمونا, ان المفاعل لم يعد امنا وطالب بضرورة اغلاقه قبل ان يتسبب في وقوع كارثة. حيث ان مادة النيوترنيوم يصعب السيطرة عليها وتسبب في احداث شقوق في الاسمنت والحديد كما ان المبنى يمكن ان يتداعى او تتسرب مواده المشعة الى الخارج.

5- وعن الكنيست الاسرائيلي نقل الدكتور التل انه تم مناقشة مشروع قانون جديد يطلب اغلاق المفاعل بعد ثبوت تقادمه, وان اعضاء الجبهة العربية في الكنيست عصام مخول ومحمد بركة واحمد الطيبي قد تقدموا بمشروع يستند الى وثائق وتقارير فنية تكشف حدوث تسرب اشعاعي سبب ضررا بالمنطقة المحيطة بالمفاعل والذي أصبح قنبلة موقوتة تهدد المنطقة بكاملها, كما ان الغموض افقد اسرائيل قدرتها على معالجة الاعطاب مما فاقم الخطر. وقد طالب اليمين المتطرف بطرد النواب العرب الثلاثة من الكنيست بسبب كشنهم للكارثة . كما طالب اربيه اراد عضو لجنة الطاقة بالكنيست من المحكمة الاسرائيلية اغلاق حزب حداش العربي.

6- صحيفة جنزانتلجنس رفيو 1999 والمتخصصة في المسائل الدفاعية واعتمادا على صور الاقمار الصناعية التجارية تقول ان هناك اضرارا جسيمة في جسم المفاعل بسبب الاشعاع النيتروني التي تحدث فقاعات في الخرسانة.

7- الخبير النووي الامريكي هارولد هاو حصل على وثائق من داخل المفاعل وحلل صورا لطائرة تجسس روسيه واستنتج دلالات عن تسرب كبير للاشعاعات وان هناك نآكل في البنيه المعدنيه التي تغلف المفاعل بسبب مستوى الاشعاع العالي . وقارن ديمونا بمحطة هاتفورد النووية قرب واشنطن حيث تلاشت المساحات الخضراء في المحطتين. وقد اغلقت محطة هاتفورد وكلف تنظيفها مليارات الدولارات.

8- هيئة الاذاعة البريطانية BBC والتي عرضت فلما عن الاسلحة النووية الاسرائيلية , صدر قرار اسرائيلي بمقاطعتها. في حين حصلت المحطة على جائزة زايد الدولية للبيئة وهي اكبر جائزة بيئية في العالم بسبب بثها للوعي البيئي باكثر من 40 لغة ودخولها لكل بيت في العالم.

9- ورنر فارد الكولونيل المتقاعد والذي شغل عدة مناصب قيادة في الجيش الامريكي يقول ان اسرائيل خامس دولة نووية في العالم حيث انها تمتلك 400 قنبلة ذرية وهايدروجينية. وقارن ذلك بالمخزون النووي لدى الدول الكبرى فكانت حسب ورنرفارد.
10500 رأس لدى امريكا 10000 رأس لدى روسيا و 464 لدى فرنسا و410 لدى الصين و400 لدى اسرائيل و185 لدى انكلترا و60 لدى الهند و1510 لدى باكستان. واشار الدكتور سفيان التل الى ضرورة اخذ هذه الارقام بالحذر الشديد وخاصة ارقام باكستان حيث درجت الولايات المتحدة على تضخيم قوة الدول التي تخطط لضربها. كما جعلت من العراق ثالث اقوى قوة في العالم تمهيدا لضربه واحتلاله.


المخلفات النووية
بعد ذلك تعرض الدكتور التل الى المخلفات النووية وطرق التخلص منها والتي تتم عن طريق التخزين في المناجم الهجورة او الدفن في ابار عميقة جدا او الحفظ في حاويات معدنية او خرسانية ودفنها في باطن الارض او البحار او الدفن في الصحاري والمناطق الجافة او المعالجة بالتخفيف قبل الدفن او التبادل الايوني.

اما اين وكيف تدفن اسرائيل نفاياتها النووية فان شركة كيماكنترول الدانماركية وبالتعاون مع البنك الدولي يقرران انه في عام 1990 كان لدى اسرائيل 100 الف طن نفايات سامة (عام واحد) وقد تخلصت من 48 الف طن في الاماكن الرسمية . ولم تستطيع تحديد مكان التخلص من 52 الف طن.

واستنتج الدكتور سفيان التل ان اسرائيل يمكن ان تكون قد انتجت خلال 40 سنة بمعدل 100 الف طن سنويا 4 ملايين طن من هذه النفايات . فاذا دفنت 48% منها بصورة رسمية فيبقى 52% دفنت بصورة غير رسمية وهذه الكمية تساوي (2080000) مليونين وثمانون الف طن. وقد ثبت ان اسرائيل دفنت وتدفن نفاياتها في فلسطين المحتلة واراضي السلطة والنقب وفي المملكة الاردنية الهاشمية وفي مصر-سيناء وفي سوريا- الجولان وفي لبنان – الشواطىء والجنوب.

ومما يذكر انه قبل زيارة يوسي سريد وزير البيئة السابق للتخقيق في امر اخفاء النفايات النووية في منطقة المفاعل, قال احد العمال المصابين لقد نزلت الى الجرن الجغرافي ومهدت الارض وطمرت النفايات والملوثات السامة بطبقة ترابية ثم زرعنا الاشتال. وعندما جاء الوزير رأى كل شىء نظيفا.

وهناك تقرير للكنيست الاسرائيلي يقول ان النفايات تدفن في مناطق غير معروفة وبالكثير من السرية كما انها تدفن في صحراء النقب وفي البحر الاحمر. كما تم اكتشاف 223 برميا فيها مواد مشعة ومسرطنة في منطقة جنين و29 برميلا في منطقة خان يونس القاها المستوطنون في مناطق السلطة.

وحسب تصريح وزير البيئة الفلسطيني فان اسرائيل تدفن في الاراضي القربية من اراضي السلطة وفي اراضي اردنية ومصرية. ويؤخذ بنظر الاعتبار اتجاه مجرى المياه. بحيث لا تجري نحو اسرائيل . كما تم دفن 50 الف طن نفايات كيماوية وسامة وصناعية في قطاع غزة على عمق 30 مترا بمساحة 5000 م مربع وهناك 150 الف م مكعب نفايات سامة مدفونة في السفوح الشرقية غير التابعة لاسرائيل وعكس اتجاه مجرى المياه الجوفية.

كما اشارت القناة الاسرائيلية الثانية الى انه تم دفن نفايات في مخيم البريج ودير البلح.

كذلك فقد دفنت نفايات حول الخليل وقد ظهر إرتفاع واضح في حالات السرطان في قرى الخليل. حيث في الظاهرية وحدها 70 حالة . كما ان هناك 500 مراجع سنويا لمستشفى الحسين. وقد تكدست طلبات المساعدة للعلاج من السرطان على مكتب الرئيس ياسر عرفات . وقد دخلت النفايات الى الاردن وكشفت بعض الحالات وبقيت فترة طويلة في ميناء العقبة .. وما خفي اعظم.
وتتعرض حاويات هذه النفايات للتلف والتأكل وتسرب الاشعاعات بفعل عوامل الطبيعه و الزمن وتنتقل المواد المشعة عن طريق التعرض المباشر او السلسلة الغذائية او المياه.

تأثير الاشعاعات
يتوقف تأثير الاشعاعات على درجة الاشعاع وطاقته وفترة التعرض ونوع وعدد الخلايا المصابة حيث يتم تدمير الخلايا المصابة او موتها. كما تتأثر الخلايا الوراثية وتؤدي الى تشوهات خلقية تستمر لعدة اجيال. اما الامراض التي تنتج عن الاشعاعات فكثيرة منها : الغثيان, تساقط الشعر, العجز,السرطان,العقم, امراض العيون, تقرحات جلدية, تأثر جهاز المناعة لمقاومة الامراض والموت.


تشرنوبل
واوجز الدكتور التل حادثة تشرنوبل للمقارنة في حالة حدوث انفجار في ديمونا فاشار الى انه تم كشف 121 وثيقة من وثائق المخابرات السوفياتية كي جي بي خلال الفترة من 1971-1988 وهناك تقرير عام 1984 يشير الى اعطاب في المفاعلين الثالث والرابع وردائة نوعية بعض المعدات , وهناك حادثة 1982 انبعث منها اشعاعات قليلة, وكان هناك خروقات في وسائل الامان. وعندما وقع الحادث ارتفع عمود الدخان بارتفاع ا كم حاملا معه وقود اليورانيوم ومواد إنشطارية وغازات عادمة. واختلفت التقديرات للاشعاعات التي انبعثت ما بين 100-500 ضعف اشعاعات هيروشيما ونكازاكي, حيث ان اجهزة القياس التي كانت متوفرة في ذلك الوقت عجزت عن قياس نسبة الاشعاع. وقد قتلت الاشعة الاشجار والحيوانات في حدود 10 كم كما قتل حوالي 4000 انسان من الذين شاركوا في عمليات التنظيف. وقتلت الاشعاعات ما بين 15000- 32000 انسان. وقد اخلي سكان مدينة يوبيات 115 الف نسمة عن بعد 30 كم وكان قد طلب منهم اولا البقاء في منازلهم . وقدر الذين اصيبوا بامراض خطيرة ب 70 الف انسان والذين اصيبوا بالعجز 80 الف. اما عدد حالات الذين اصيبوا بسرطان الغدة الدرقية فقد 3,4 مليون حالة في روسيا واكرانيا وروسيا البيضاء. وقدرت الخسائر الاقتصادية ب 300 مليار دولار.


اما الامراض التي سجلت في المنطقة فكانت:
تقيىء – اسهال – حروق – نزيف في المعدة والدماغ والجهاز التنفسي – اضطرابات عصبية – هذيان – صرع – موت. اما الاطفال الذين استنشقوا الأيودين او شربوا حليب ابقار اكلت الاعشاب الملوثة بالاشعاع فقد اصيبوا بسرطان الغدة الدرقية.


وقدرت الامم المتحدة ان هناك 6 ملايين انسان ما يزالون يعيشون في مناطق ملوثة بالاشعاع.


وزار كنزو اوشيما مساعد الامين العام للامم المتحدة المنطقة بعد 16 عاما من الكارثة حيث اكد ان المنطقة ما زالت بحاجة الى مساعدة وهناك خطر من ان بنسىالعالم الكارثة, وطرح استراتيجية لتعافي المنطقة على مدى 10 سنوات , واكد ان المشكلات الخطيرة للغاية والمتاعب التي يواجهها كثيرا من السكان ما تزال مستمرة . ومطلوب ما بين 50-80 مليون دولار لمواجهة الاحتياجات المستقبيلة للسكان ومعظمها لتوفير الادوية والرعاية الصحية والاطعمة للمتضررين من الاشعاعات.


مفاعل جديد
واشار الدكتور التل نقلا عن يدبعوت احرنوت الصادرة بتاريخ 27-2-2002 ان ايفي ايتيام وزير البنية التحتية اصدر تعليمات للشروع في بناء مفاعل نووي جديد في النقب. يتوقع البدء بانشاءه بعد 7 سنوات ويتم تشغيله عام 2020 بكلفة نصف مليار دولار.


خطة طوارىء نووية
واختم الدكتور التل حديثه بضرورة اهتمام الحكومة الاردنية بوضع خطة طوارىء نووية يمكن تنفيذها في حالة انفجار المفاعل. ويتم من خلالها تدريب الناس على التصرف والرحيل وكيفية التعامل مع الماء والغذاء والهواء والتربة, حيث انه لا احد في الاردن يعرف كيف سيتصرف اذا حدث انفجار المفاعل.
سبتمبر 30, 2004

اشترك لتصلك أخبارنا

Please publish modules in offcanvas position.