الجزيرة-الشريعة و الحياة-رعاية البيئة في الشريعة الإسلامية2005

رعاية البيئة في الشريعة الإسلامية
 



خديجة بن قنة: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يقول الله تعالى {ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا} ويقول أيضا {ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، لو كان للبيئة لسان ينطق لملأت أسماعنا بصراخها بحثا عمّن ينقذها فماذا عن الفساد البيئي؟ ولماذا تهمش الواجب الشرعي في بلاد المسلمين القاضي برعاية البيئة؟ وما هي الرؤية الإسلامية حول قضايا التوازن والتنوع البيئي؟ وما هي الوسائل الواجبة لحماية ذلك؟ رعاية البيئة في الشريعة الإسلامية موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أهلا بكم فضيلة الشيخ.

يوسف القرضاوي: أهلا بكِ يا أخت خديجة.

خديجة بن قنة: فضيلة الشيخ قد يستغرب البعض ما علاقة الإسلام بالبيئة كجزء من رسالة الإسلام الشاملة؟

الأصول الشرعية لاهتمام الإسلام بالبيئة

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فمَن لا يعرف الإسلام قد يستغرب أن نقول رعاية البيئة في الشريعة الإسلامية أن بعض الناس يظنون أن الإسلام إنما يُعنَى بالعبادات الشعائرية فقط وفِقه الإسلام يُعنى بالحيض والنفاس والاستنجاء والتيمم وهذه الأشياء ولا علاقة للإسلام بالكون ولا بالإنسان ولا بالحياة ولا بالبيئة ولا بهذه الأشياء وهذه نظرة قاصرة وخاطئة في فهم رسالة الإسلام. الحقيقة أن رسالة الإسلام رسالة شاملة تشمل الدين والدنيا، تشمل العقيدة والشريعة، تشمل الدعوة والدولة، تشمل الدين والدنيا، تشمل الفرد والمجتمع، تشمل الحياة الإنسانية كلها بل الكون كله. ومشكلتنا أن الكثيرين ركزوا على جوانب معينة في تعليم الإسلام وفي الدعوة إلى الإسلام بحيث غَفَل الكثيرون عن الجوانب الأخرى فإذا ذُكرت اعتقدوا أن الإسلام ما دخله بهذه القضايا. ولكن الذين درسوا الإسلام عرفوا أن للإسلام نظرة وفكرة وفلسفة وتوجيها وأحكام في كل قضية من قضايا الحياة الكبرى، ليس معنى هذا أن نتدخل في التفصيلات التي يهتم بها الخبراء لا ولكن يُعطي إشارات ويُعطي أضواءً بحيث تعالج الجوانب الجوهرية في المشكلة المعروضة، هذا وجدناه في الناحية النفسية والناحية الاجتماعية والناحية التربوية والناحية الاقتصادية والناحية البيئية وهذه النواحي كلها، من أجل ذلك نرى أن الإسلام عُني بالبيئة عناية كبيرة وقد وجدنا أن مَن نظر إلى العلوم الإسلامية الأساسية يجد أن كل هذه العلوم اهتم بها حتى علم العقيدة اهتم لأنه بيهتم بالألوهية، الألوهية التي خلقت كل شيء في هذا الكون حسنا، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} {صُنْعَ اللَّهِ الَذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} فهذا الكون يعني {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} ولذلك فكل فساد يأتي هو يأتي من صنع الإنسان ليس من صنع الله، فمَن نظر إلى حتى الجانب العقيدي يجد له علاقة بالبيئة، الفقه كتب الفقه تُعنى بأشياء جوانب كثيرة جدا في البيئة حتى في باب الطهارة لما نيجي نتكلم عن باب الطهارة والنجاسة تأتي الأحاديث التي تنهانا عن البول في الماء الراكد، أن يبول الإنسان في الماء الذي لا يجري ثم يتوضأ منه أو يغتسل فيه، يلعن النبي صلى الله عليه وسلم من يعني استخدم البُراز يعني الغائط في الموارد يعني موارد المياه أو في قارعة الطريق أو في الظِل حيث يُفسد البيئة بهذه.. فالفقه يُعنى بهذا، التصوف والجانب الأخلاقي يُعنى بهذا لأنه.. يُعنى بالإحسان "الإحسان أن تبعد الله" والإحسان يشمل كل شيء {وأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} والرسول عليه الصلاة والسلام يقول "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، أصول الفقه علم أصول الفقه لو نظرنا أن علم أصول الفقه يُعنى بمقاصد الشريعة، بالضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بالمحافظة عليها، المحافظة على الدين، المحافظة على النفس، المحافظة على النسل، المحافظة على المال، المحافظة على العقل كل هذه الضروريات لها علاقة بالبيئة لأنه إذا أفسدنا البيئة لم نحافظ على أنفسنا ولا على صحتنا، إذا أفسدنا البيئة لم نحافظ على نسلنا حتى القرآن يقول {وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ} النسل فهو مش يسئ إلى نفسه يسئ إلى الأجيال والذرية القادمة، المحافظة على العقل أيضا لأنه من ضمن الأشياء التي يحافظ عليها.. إن الإنسان يحافظ على الإنسان من إتلاف عقله بالمسكرات، بالمخدرات، بالتدخين بهذه الأشياء كلها المحافظة على المال كل.. فمَن نظر إلى علومنا الإسلامية يجد أن لهذه العلوم علاقة مؤكدة برعاية البيئة وحماية البيئة. أنا اخترت.. لي كتاب اسمه رعاية البيئة في شريعة الإسلام اخترت كلمة الرعاية هم رجال البيئة بيستعملوا كلمة الحماية وأنا استخدمت كلمة الرعاية لأني وجدت الرعاية أكثر من الحماية، الحماية تحفظها فقط من الجانب السلبي، إنما الرعاية أكثر من مجرد الحماية، لذلك نقول رعاية الأمومة، رعاية الطفولة الأشياء المهمة نقول فيها رعاية لأن كلمة رعاية تشمل الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية معاً.

خديجة بن قنة: نعم لكن فضيلة الشيخ المشكلة أننا لا نولي لا رعاية ولا حماية لهذه البيئة وربما تخرج هذه المواضيع مثل الطبيعة والنبات والحيوان والغابات والمياه والمناخ من اهتمامات الدول العربية حاليا، لماذا عدم التركيز على موضوع البيئة ضمن اهتماماتنا كدول وكأفراد في الدول العربية والإسلامية؟

يوسف القرضاوي: هو الحقيقة هناك خلل في ثقافتنا، خلل في وعينا، خلل في فقهنا من ناحية حتى الثقافة الإسلامية والتربية الإسلامية فيه نقص فيه قصور في هذه النواحي، نحن لا نُدَرِّس هذه الأشياء لتلاميذنا ينبغي أن تدخل رعاية البيئة وتعاليم الإسلام في رعاية البيئة لأن التربية الإسلامية التي يدرسها التلاميذ في المدارس مش بس حتى التربية الإسلامية تدخل في كتب القراءة كثقافة مهمة أن الإسلام يُعنى بهذا الأمر إنما لما أدرس التلميذ أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول "من قطع سدرة صوّب الله رأسه في النار" السّدرة شجرة السّدر الكنار أو النبق شجرة النبق هذه يقطعها العلماء قالوا لأنه خصوصا إذا كانت في البريّة الناس ستنتفع بثمرها وتستظل بظلها فلما تيجي تقطعها حرمت الناس من الظل في هذه الصحراء وحرمت الناس من الثمرة فصوّب الله رأسه.. بعض الشُّراح قال ده يقصد قطع شجرة الحَرَم من شجر الحَرَم لما وجد إن فيه صوب الله رأسه لم يتصور إنه الشجرة العادية في البريّة مَن قطعها يستحق النار، فقال ده هو المقصود شجرة.. قال "من قطع سدرة.." وهذا يشمل أي سدرة لأن في جاء في إطار الشرط، أي سدرة هذا.. لماذا لا أُعلم أولادنا في المدارس هذا؟ لماذا لا تهتم البرامج الإعلامية في إدخال هذه؟ ولذلك إحنا عندنا قصور في هذه الثقافة، قصور في هذا الوعي، فيه نوع من الفقه أنا بأسميه فقه الأولويات، ما معنى فقه الأولويات؟ أن يعطي كل شيء حقه لا نُكبِّر الأشياء الصغيرة ونُصغِّر الأشياء الكبيرة، لا نُعظِّم الأشياء الهينة ولا نُهوِّن الأشياء.. مسألة البيئة من الأشياء الهينة عندنا، من الأشياء التي لا قيمة لها فلا نُعنى بها في تدريسنا، في تعليمنا، في تثقيفنا، في تفقيهنا للناس، نحن في حاجة إلى أن نُعيد فقه الأولويات. الشيء الأساسي نخليه أساسي.. عندنا حديث لو المسلمون طبقوه يقول لك "إماطة الأذى عن الطريق صدقة" كلنا نحفظ هذا إنما أين هذا في بؤرة شعورنا في وعينا الأساسي في صلب ثقافتنا بحيث هذا الحديث يُشغِّل عدة وزارات؟ تشتغل فيه وزارة البيئة ووزارة البلدية ووزارة الصحة ووزارة الطرق والجسور ووزارة.. تشتغل فيه هذا إماطة الأذى عن الطريق أي أذى، فهناك خلل في ثقافتنا ولذلك هذه الأمور لا تأخذ حقها من وعى الإنسان العربي والمسلم.

خديجة بن قنة: لا تأخذ حقها ونحن نرى اليوم في الغرب إلى أي مدى أو إلى أي درجة يهتمون بالبيئة إلى درجة أنها أصبحت عامل حاسم في أي انتخابات تشريعية أو رئاسية تُجرى في دولة من الدول الغربية.

يوسف القرضاوي: أحزاب الخُضَر وحزب الخُضَر في بلاد شتى وله مكانة وله أنصار وله أتباع وله ثقافة. وبعدين إحنا بالعكس نيجي في الأماكن الخضراء نحولها إلى أماكن بناء، يعني في كثير من البلاد كنت أرى فيها أماكن خضراء وأشجار ومزارع أذهب إليها بعد ذلك أجدها تحولت إلى أرض للبناء والسكن، موِّتوا الناس الزراعة حتى تتحول لأن أرض السكن أغلى فيموتوا الناس الخضرة وهذا أنا معتبره كأنه قتل، اللي بيقتل شجرة ده كائن حي وكائن حي الناس في حاجة إليه، الحاجة إليه مش بس علشان.. البيئة نفسها وجود الخضرة في المدن هو بيساعد على سلامة البيئة، على سلامة التنفس، على.. بيضاد الدخان والأشياء اللي بتيجي عن طريق التكييفات وعن طريق المصانع وعن طريق المداخن فوجود هذه الخضرة شيء أساسي، ربنا عامل أشياء تقابل أشياء ليحفظ التوازن البيئي في هذا الكون.

خديجة بن قنة: سنأخذ الآن فاصلا قصيرا ثم نعود لمتابعة هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة.

[فاصل إعلاني]

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة، موضوع حلقتنا اليوم رعاية البيئة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الشيخ أواصل مع نفس الفكرة التي كنت تتحدث فيها وهي ظاهرة تحول أماكن الخضرة إلى أسمنت أكلها الأسمنت وغياب هذا الوعي البيئي، لكن هناك مَن يرى أن ربما نشاط الإسلاميين كأحزاب أيضا هو أكثر غيابا من بقية الأحزاب الأخرى فيما يتعلق بالوعي البيئي ونشر هذا الوعي لدى الناس ما رأيكم؟

"
أظهرت الدراسات أن للإسلام عناية كبرى بالبيئة كان الناس في غفلة عنها فبدأت بعض الجماعات والمؤسسات الإسلامية تُدخل هذا الأمر في حسابها
"
يوسف القرضاوي: هو الأحزاب الإسلامية يجري عليها ما يجري على أحزابنا الأخرى وإن كنت ألاحظ في بعضهم اهتماما بهذا الجانب خصوصا في السنوات الأخيرة عندما بدأت هذه الدراسات الإسلامية عن البيئة وعُقدت بعض المؤتمرات التي تحدثت عن هذا وأظهرت الدراسات أن للإسلام عناية كبرى بهذا الأمر، كان الناس في غفلة عنها، فبدأ بعض الجماعات الإسلامية وبعض الأحزاب الإسلامية وبعض المؤسسات الإسلامية تُدخل هذا الأمر في حسابها والحقيقة إن الجميع يجب أن يهتم بهذا الأمر، الجماعات والأحزاب الإسلامية، المؤسسات الاجتماعية والصحية يعني يجب أن تهتم بهذا، الوزارات المختلفة يجب أن تُعنى بهذا الأمر سواء من ناحية الوقاية أو من ناحية العلاج. إحنا بنهتم بوقاية البيئة أن يحدث فيها الفساد وبعدين إذا حدث نحاول علاجه ولكن كما قالوا درهم وقاية خير من قنطار علاج، فالإسلام يُعنى بالجانب الوقائي أكثر من أي شيء حتى لا يحدث الفساد في البيئة ثم نحاول أن نعالجه فيتكلف أضعاف ما كان يتكلف لو عنينا بالوقاية أولا.

خديجة بن قنة: فضيلة الشيخ جاء في القرآن الكريم الإلحاح على مفهوم التسخير وأن هذا الكون مُسخَّر للإنسان في الآية مثلا الآية التي تقول {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ} في سورة الحج {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ} في سورة لقمان، ما مقتضيات هذا التسخير في مجال البيئة؟

يوسف القرضاوي: والتسخير هذه نعمة مَنّ الله بها على الإنسان {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وبَاطِنَةً}، {وسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ}، {اللَّهُ الَذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ، وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ} شوف كلمة لكم يعني كُرِّرت خمس مرات، كل هذه الأشياء السماوات والأرض والماء والشمس والقمر والليل والنهار {وآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وإن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا}، هذا التسخير نعمة من الله للإنسان وكل نعمة ينبغي أن تُقَابل بشكر لأننا لكي نحافظ على النعم ولكي يزيد الله النعم علينا يجب أن نشكر النعم، يقول الله تعالى {وإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ولَئِن كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}، فشُكر النعمة أن تُستخدم فيما خلقها الله له، فيما يُحب الله تعالى ويرضاه، في نفع الخلق لا في إيذاء الخلق فربنا سخر لنا في.. مش سخر لنا المياه لنلوث المياه، سخر لنا الهواء لنلوث الهواء، سخر لنا الأرض لنُفسد الأرض لا سخرها لا.. الله تعالى يقول {ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا} ما معنى بعد إصلاحها؟ يعني ربنا خلق الأرض صالحة مُهيَّأة لتُنبت للإنسان ولتُعطي للإنسان ما يحتاج إليه كما قال تعالى {وبَارَكَ فِيهَا وقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا}، حينما خلق الله الأرض بارك فيها وقدّر فيها أقواتها، فنحن نأتي لنُفسد هذه الأرض ونُفسد تربة الأرض ونُفسد الماء ونُفسد الهواء ونُفسد كل شيء {ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا} فنحن للأسف لا نشكر النعمة بل نكفر بالنعمة ولذلك قال {ولَئِن كَفَرْتُمْ} يعني كفرتم بالنعمة ولم تؤدوا لها حقها {إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} وهنا جاءت الآية التي ذكرتِها في أول البرنامج {ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}، الفساد هنا يعني إيه؟ الفساد مش الفساد الخلقي لا الفساد في المرء اضطراب الأمور والاختلال في الحياة في البر وفي البحر وفي الماء وفي الهواء وفي التربة، هذا هو معنى الفساد ليه حصل هذا الفساد؟ {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} يعني بأعمال الناس، بأعمال الناس فسدت البيئة وفسد البر وفسد البحر وفسد الجو الآن كمان ما كانش أيامها القرآن مش حيقول يكلمهم عن الجو وما يعرفوش الجو إنما إحنا الآن أفسدنا البر والبحر والجو وكل شيء بما كسبت أيدي الناس {لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ} يعني ربنا ما بيحاسبش الناس على كل ما عملوا قل {ولَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ} ولذلك قال {ومَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ} فيعقابنا ببعض ما عملنا ولماذا يعاقبنا بهذا؟ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، يمكن لعلهم يفيقون لأنفسهم ويرجعون إلى رُشدهم ويثوبون إلى عقولهم ويُصلحون ما أفسدوا من قبل هذا معنى..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: إذاً مفهوم الفساد والإفساد لا ينحصر فقط في القضايا القيمية أو المعنوية وإنما أيضا بقضايا مثل قضايا البيئة..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: لا فساد البيئة، فساد الطبيعة، فساد المقدرات التي يستفيد الناس منها في التربة، في الماء، في الهواء في الغذاء، هذه كلها هي من فساد البر والبحر المذكور في الآية الكريمة.

خديجة بن قنة: ونأخذ الآن مرة أخرى فاصلا نتابع خلاله موجزا لأهم الأنباء ثم نعود إلى برنامج الشريعة والحياة وحلقتنا اليوم حول رعاية البيئة في الإسلام.

[موجز الأنباء]

الإسلام يُحرِّم تلويث البيئة

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة، موضوع حلقتنا اليوم رعاية البيئة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الشيخ يتم الآن في دولنا العربية ضخ مياه المجاري، المواد الضارة والكيميائية إلى البحار وإلى الأنهار والبحيرات وضخ مخلفات المصانع أيضا، يعني في هذه أين تقع أو على مَن تقع المسؤولية؟ ومَن يعني.. على مَن يقع إثم القيام بهذه الأعمال؟

"
من نظر إلى تعاليم الإسلام وتوجيهاته وجد أنه يُحرِّم تلويث البيئة أشد التحريم ويَلعن مَن فعل ذلك ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: اتقوا اللعانين
"
يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، مَن نظر إلى التعاليم والتوجيهات الإسلامية وجد أن الإسلام يُحرِّم تلويث البيئة أشد التحريم ويَلعن مَن فعل ذلك ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم "اتقوا اللعانين" يعني الأمرين الذين يجلبان على الناس اللعنة، البول في الموارد وفي الطريق، كانت هذه الملوثات في البيئة في العصر الماضي إن الإنسان بقضاء الحاجة في غير المكان المناسب يُلوِّث البيئة، الآن في عصرنا هذا أصبح تلويث البيئة بما هو أشد من هذا مش مجرد إنه يبول في الماء أو يبول في طريق الناس أو كذا لا هذه أشياء خطيرة يعني جدا..

خديجة بن قنة: يعني نحن نتحدث عن كوكب طبقة الأوزون فيها.. هناك ثقب.

يوسف القرضاوي: آه يعني أشياء مؤثرة في الكون كله يعني أحيانا.. فأفسدوا يعني في مياه الشرب، في الكثير من البلاد أصبحت الأنهار لا تصلح للشرب لا يصلح للناس أن يشربوا ولا يصلح أن يستحموا فيها في كل أنهار أوروبا من نفايات المصانع وهذه الأشياء..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: المشكلة أن النفايات يتم دفنها في الدول النامية يعني لم تعد..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: حتى في البلاد النامية إنما في البلاد الصناعية أكثر إساءة إلى البيئة من البلاد.. لأن النمو الصناعي في هذه البلاد محدود، كلما نمت الصناعات كان الأثر على البيئة ولذلك طغيان البلاد المتقدمة أو بلاد الشمال كما هي تسمى طغيانها على البيئة أوسع وأعظم بكثير من طغيان الناس على البيئة في بلادنا، هم يعني أفسدوا البر والبحر حتى البحار، يعني رغم ضخامة الكتلة المائية في الأرض بحيث إنها تُكوِّن تقريبا ثلاثة أرباع الأرض ماء ومع هذا أفسدوا هذه البحار وخصوصا الشواطئ القريبة، المياه الإقليمية كما يُسمونها أفسدوها بالأشياء بحيث إن هذه الأحياء الأسماك والكائنات البحرية التي يأكل منها الناس كما سمَّاها القرآن {وهُوَ الَذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِياً} اللحم الطري ده أفسدوه لأنه الأشياء مخلفات البواخر ومخلفات الأشياء والأشياء التي يعني تُصَب في هذا البحر أفسد المياه القريبة من الدول بحيث أصبح ما يأكله الإنسان أصبح على خطر. وأخطر من ذلك التلوث الإشعاعي الذي ينتج عن طريق الأشياء النووية والمخلفات النووية والإشاعات النووية وأصبح كثير من الأغذية ملوثة بيقول لك ملوثة بالإشعاع وكثيرا ما تُروَّج هذه الأشياء الملوثة إلى بلادنا، يستعبطوا يعني هذه البلاد ويُصدِّروا إليها هذه الأشياء يأتي أناس للأسف من تجار الموت الذين يعني يريدون أن يربحوا ولو على حساب الخلق، يعني يكسب هو ولو مات أهل بلده وأهل وطنه عشان يكسب بعض الألوف أو الملايين فيُتاجر في الأشياء الفاسدة والأشياء الملوثة هذه هي الأخطر، النفايات الذرية والنووية التي يقولون عنها والتي للأسف سمحت بعض البلاد إنها تستقبل هذه الأشياء في مقابل عدة ملايين أو مقابل مكاسب آنية وأشياء خطرة جدا وما يفعله الإسرائيليون في دفن هذه الأشياء في فلسطين في غفلة من العالم وفي تأييد من الدول الكبرى وخصوصا أميركا، هذا كله خطر، أي خطر على البيئة وخصوصا بيئتنا نحن في بلادنا العربية والإسلامية.

خديجة بن قنة: نعم فقط أفتح قوس فضيلة الشيخ أشرت إلى نشاط الشركات متعددة الجنسيات والمصانع الكبرى ودفن النفايات في الدول.. نفايات هذه المصانع والشركات في الدول النامية ربما هذا سبب من الأسباب الرئيسية التي تدفع الولايات المتحدة إلى عدم التوقيع إلى الآن على اتفاقية كيوتو حول البيئة..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: الولايات المتحدة تطلب من الناس أن يوقِّعوا على أشياء وهي لا توقِّع زي أيضا الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل مُحرَّمة على أناس ولكن حلال لها هي وبعض الدول الكبرى، يملكوا الأسلحة النووية وغيرها وهي حرام على الآخرين، المفروض قوانين العدل القوانين الأخلاقية إنها عامة على الجميع كل فلاسفة الأخلاق يقولون من شروط الأخلاقية السليمة إنها تكون عامة للناس لا يُستثنى أحد دون أحد، الصدق الفضيلة للناس جميعا والكذب حرام على الناس جميعا، القتل حرام على الناس ومش حلال لفئة وفئة يجوز لها أن تقتل هذا الخطأ.

خديجة بن قنة: ذكرت فضيلة الشيخ أيضا مثال دفْن إسرائيل للنفايات النووية في الأراضي الفلسطينية، هناك أمثلة كثيرة تُطرح في هذا المجال وشهدنا في حرب الخليج الثانية تلويث مياه البحار بالنفط، شهدنا أيضا بعد سقوط بغداد كيف أُحرِقت آبار النفط وليتصور الإنسان كل هذه الآثار على البيئة يعني ما يُخلِّفه إحراق آبار النفط على الهواء من.. ما الموقف الشرعي من كل هذه الأعمال؟

يوسف القرضاوي: أنا أريد من ناحية تحديد الشرع طبعا يُنكر هذه الأشياء إنكارا شديدا ويعتبر هذا من الإفساد في الأرض وكل الأنبياء جاؤوا ينهون عن الإفساد في الأرض {ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} يقول هذا سيدنا موسى عليه السلام، سيدنا صالح يقول لقومه {ولا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ} {فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ} {ولا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ الَذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ولا يُصْلِحُونَ} واعتبر القرآن فرعون يعني من المفسدين {إنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ} {إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} وبعدين قال {إنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ}، هؤلاء المفسدون في الأرض الإسلام يُنكر هذا الفساد ويعتبر أن هذا مما يُغضب الله ومما يكرهه الله، قل عن بعض الناس {وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ} هؤلاء يُهلكون الحرث والنسل، يُهلكون الزرع والضرع، يجعلون الحياة يبابا، يجعلون الحياة موتا، وهذا هو الفساد والله لا يحب الفساد والله لا يحب المُفسِدين، فالقرآن يُنكر هذا، مَن يحمل مسؤولية هذا؟ يحمل المسؤولية الذي يباشر هذا الأمر، يعني الناس اللي عندهم مصانع وهذه الأشياء ويسمحون لأنفسهم أنهم يُلقون بنفاياتهم في الأنهار أو في البحار يتحملون المسؤولية، الدولة التي تسكت عن هذا تتحمل المسؤولية، هناك مسؤولية بالتضامن من البشر ينبغي أن يقفوا يعني ضد هذا، يعني كان واحد ألف كتاب يقول يا أهل العالم اتحدوا ضد خطر البيئة وضد الفساد البيئي واختلال التوازن الكوني يعني كان ماركس زمان يا عمال اتحدوا يعني ضد الرأسماليين والبرجوازيين ده بيقول لا يا أهل العالم اتحدوا مقابل الأخطار التي تهدد البيئة وتهدد الكون، هذا فنحن كل مسؤول "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

خديجة بن قنة: لكن البعض يربط مسألة تنظيم النسل بمسألة وقف استنزاف موارد البيئة التي ربما لا تفي بحاجيات كل البشر على هذا الكوكب، كيف تنظرون إلى هذه المسألة فضيلة الشيخ؟

يوسف القرضاوي: المسألة هي ليست.. الخطر ليس من مسألة النسل هناك طبعا كان بعض الاقتصاديين التشاؤميين مثل مالتوس الذي كان يرى أنه البشرية بعد قرن أو كذا ستتعرض للفناء وللإبادة بسبب يعني ندرة الموارد وكثرة البشر وهو يرى أن البشر يتزايدون بمتوالية هندسية والموارد تتنامى بمتوالية حسابية، المتوالية الحسابية يعني واحد اثنين ثلاثة أربعة إنما المتوالية الهندسية إن واحد اثنين أربعة ثمانية 16، 32، 64 وهذا تنامي خطير جدا فكان يرى هذا ولكن ثبت أن في الكون إمكانات هائلة مذخورة كل مادة يكتشف الناس ومنها ما في البحار يعني البحار اللي هي ثلاث أرباع الأرض هذه أو القرى التي نعيش فيها لم تُستغل إلى الآن ولكننا لا نقول إن الإسلام لا يمنع تنظيم النسل، إن الناس تحاول إنها تنظم نسلها إلا إنه الخطر هو أن الناس لا تُحسن الاستفادة من الموارد بل تُفسد الموارد، تستنزف الموارد. من الأشياء الأساسية إن الناس يجب أن تحافظ على مواردها لا تتعامل معها من الأشياء اللي أنا ذكرتها في كتابي هذا شيء اسمه الإحسان بالبيئة، الإحسان بالبيئة يعني إيه؟ الإسلام النبي عليه الصلاة والسلام قال "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" ما معني كتب؟ يعني فرض الإحسان، الإحسان له معنيين، الإحسان بمعنى الإتقان والإحكام إحسان الشيء يعني يجعل الإنسان متقنا حسنا كاملا هذا مطلوب والإحسان بمعنى العطف الإحسان إلى شيء.. فهذا مطلوب من الإنسان أن يُحسِن إلى البيئة ويُحسِن بالبيئة، يتعامل معها برفق، يتعامل معها بحكمة كل شيء.. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال لسعد بن أبى وقاص وكان يتوضأ يعني فقال له يا "سعد لا تُسرِف" فقال له أو في الماء سرف يا رسول الله؟ يعرف الإسراف في الأكل، في الشرب، في الإنفاق إنما الميه حتى "قال نعم وإن كنت على نهر جارٍ" يعني بيعلمه كيف نستفيد من الموارد، يعني يمكن قصة المياه دية أصبحت الآن تهدد البشر لأن بيقولوا الحروب القادمة ستكون الحروب على المياه لقلة المياه وحاجة الناس إلى الكثير منها، فنحن ينبغي أن نتعامل مع الموارد تعاملا.. الرسول عليه الصلاة والسلام يقول "إذا سقطت اللقمة من أحدكم" واحد بيأكل لقمة وقعت منه يقول "فليلتقطها وليُمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان" ما يستنكفش يقول لا دى أرميها خلاص، لا عايز يعلم الناس التواضع ويعلم الناس يعني كيف يحافظون على النعمة، كان أهلونا وآباؤنا من قبل إذا وجد لقمة يأخذها ويُقبلها كده ما أعرفش عندكم مثل هذا يُقبلها يقول دي نعمة من الله يعتبر لقمة الخبز نعمة، إنما حتى اللقمة الرسول أمر الإنسان حينما يأكل أن يلعق الصحفة، بعض الناس بيعتبروا دى يلحس الصحفة يعني الإناء اللي فيه الأكل وما كانوش هم كانوا بيأكلوا بأيديهم لو اللي بيأكل بملعقة نقول له المهم تنظف الطبق اللي بتأكله مش تغرف طبق بتاع وتأكل ربع وترمي الباقي كما يفعل الناس خاصة الناس لما يروحوا يأكلوا في الفنادق وبتاع طبق قد كده يأكل منه شوية كده ويرمي الباقي هذا حرام، الإسلام بيعلمنا..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: إذاً ترشيد الاستعمال واستخدام الموارد البيئية.

يوسف القرضاوي [متابعاً]: يعني الواحد يقول لك طب إيه قيمة لقمة أو قيمة بقايا في صحفة؟ لا الرسول بيشرَّع لأمة أمة الآن مليار وثلث مليار من البشر لو كل واحد رمى لقمة وكل واحد ترك في الإناء الذي يأكل منه ربعه أو ثلثه أو كذا ورماه في سلال القمامة لرماة الزبالة ويتركها كم يكون خسارة الأمة؟ مليار وثلث مليار من البشر في ثلاث وجبات يومية، فالحفاظ على الموارد هو أهم من تنظيم النسل ولا يُمنَع تنظيم النسل إذا دعت إليه حاجة حقيقة.

مشاركات المشاهدين

خديجة بن قنة: نعم نأخذ الآن الدكتور سفيان التُل المستشار الدولي في شؤون البيئة من الأردن، دكتور سفيان كيف تُقيم خطورة المخاطر البيئية الكبيرة المحدقة بهذا الكوكب؟

سفيان التل - المستشار الدولي في شؤون البيئة - الأردن: السلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم السلام ورحمة الله.

سفيان التل: وعلى الدكتور العلامة أستاذنا الكبير يوسف القرضاوي.

يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي.

سفيان التل: الحقيقة مخاطر البيئة أصبحت يعني تفوق الوصف وهنالك إهمال كبير جدا وخاصة من الدول التي تدّعي أنها تدعو لتبني قضايا البيئة الدول الغربية التي تقوم معظم جوانب حضارتها على جني الأرباح فقط بدون النظر إلى النتائج الخطيرة التي تنعكس على سطح هذا الكوكب وكما أشرتم قبل قليل أيضا إلى رفض الولايات المتحدة للتوقيع على معاهدة كيوتو وما شابه ذلك، يعني هناك أخطار تُهدد التنوع البيئي، هناك أخطار تهدد التوازن البيئي، تهدد النظم البيئية وكلها خاضعة فقط لمردود واحد وهو مردود الطمع والاستنزاف وحب الربح، يعني هذه هي القضايا الأساسية اللي عم بتهدد مستقبل هذا الكوكب ولا ندري نحن نشاهد كثير من الكواكب في الفضاء الخارجي ميتة ربما يكون على تلك الكواكب في يوم من الأيام حياة واستُنفذت عناصر الحياة فماتت تلك الكواكب وهذا ما لا نأمل أن يحدث لكوكبنا الحالي.

خديجة بن قنة: إذاً أنت ترى أن المسؤول الأكبر عن حدوث هذا التلوث وهذه المخاطر البيئية هو الدول الغربية الكبرى؟

سفيان التل: بدون شك يعني هناك شبه إجماع على ذلك لأنه نحن لم نصنع ملوثات البيئة الأساسية فمثلا الولايات المتحدة تبث في الفضاء الخارجي أكثر من أي دولة أخرى في العالم وهي المسؤولة بالدرجة الرئيسية عن ثقب الأوزون أو الخلل الذي أصاب طبقة الأوزون وهي ترفض أن توقع على معاهدة أو بروتوكول كيوتو الذي يُحِد من إنتاج صناعاتها الكبرى التي تُلوِّث سطح الكرة الأرضية، يعني هذا مَثَل واضح على عدم رغبتهم بحل مشاكل الكرة الأرضية وأنهم يخضعون فقط لشركاتهم عابرة القارات والشركات الكبرى التي تُنتِج المواد الملوِّثة وهدفهم الأول والأخير جني الأرباح.

خديجة بن قنة: شكرا لك دكتور سفيان التُل، من الأردن نأخذ الدكتور أبو بكر باقادر من السعودية أستاذ علم الاجتماع بالمملكة العربية السعودية، دكتور أبو بكر هل يمكن الحديث اليوم عن تنظيمات إسلامية تدافع أو تحمي أو تسعى إلى حماية البيئة؟

أبو بكر باقادر - أستاذ علم الاجتماع - السعودية: بالتأكيد، أولا يعني أُسلِّم على العلامة الدكتور يوسف القرضاوي.

يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي.

أبو بكر باقادر: الله يبارك فيك وأود أن أقول بأنه يعني تحويل قضية صيانة وحماية البيئة من الجانب الاقتصادي والتنموي البحت إلى الجانب الأخلاقي والقانوني أمر أعتقد أسهم فيه الإسلام بشكل قوي ولقد نشرت جمعية الاتحاد الدولي لصون الطبيعة والموارد الطبيعية لي ولمجموعة من زملائي من المملكة العربية السعودية دراسة كان لها تأثير كبير في الأوساط الدينية في أوروبا وأيضا في الولايات المتحدة بعنوان دراسة أساسية عن حماية البيئة بالإسلام وكان المنطلق الذي انطلقنا منه هو التأكيد على أن يعني للإسلام موقف أخلاقي وقيَمي أساسي، أولا من مكونات البيئة الطبيعية وعلى وجه الخصوص طبعا المياه والهواء والحيوانات والنباتات وأنها عِيرية، هذه ملكية عامة الله سبحانه وتعالى سخرها للإنسان ولكن لم يُملِّكه إياها فهي ينبغي الحفاظ عليها وصيانتها وأن تنتقل بين الأجيال. الآن يعني كيف يمكننا أن نحقق هذا وأن لا تتعرض هذه البيئة التي سُخِّرت للإنسان بما يضرها؟ المسلمين الفقهاء في الماضي عملوا العديد من القوانين التي تتعلق بالبيئة الطبيعية والبيئة المبنية، بالنسبة للبيئة الطبيعية لعل يعني ما أنتجوه من دراسات وتمحيصات وقوانين تفصيلية فيما يتعلق باستخدام المياه والحقوق المشتركة في توزيعها وامتلاكها يُعد يعني تاريخيا من الأمور الجداً متقدمة ولعل الفائدة منها حتى في العصر الحديث، أما فيما يتعلق بالبيئة المبنية وعلى وجه الخصوص يعني مما ذكر الشيخ بما يتعدد بحق الارتفاق وحق الهواء وحق الشمس وحق الحفاظ على البيئة في المدن كان هذا يعني واحد من المنطلقات التي قامت عليها المدن الإسلامية ولعل الكوارث الطبيعية يعني التي تحدث هذه الأيام هي بسبب أن البيئة المبنية أصبحت تضايق البيئة الطبيعية يعني فحصلت بعض الكوارث الكبرى ولعل تسونامي الأخيرة لعلها يعني جزء من خلل قام به الإنسان في هذه الطبيعة، إذاً نحن نحتاج إلى بُعد أخلاقي وبُعد قانوني ينطلق من القوة الأخلاقية وليس الاعتماد فقط على المسألة النفعية أو مسألة التنمية التي بلا حدود وبلا أخلاق. الإسلام في هذا يُقدم درسا هاما، لعل المسلمين يحتاجون أن يُطوروا ويشاركوا مع العالم في تقديم هذا سواء في حالة السلم أو حالة الحرب كما هي وصايا الخلفاء للجيوش التي انطلقت للفتح.

خديجة بن قنة: نعم شكرا جزيلا لك دكتور أبو بكر باقادر من السعودية، الأستاذ في علم الاجتماع ونأخذ الآن أحمد توفيق من قطر تفضل.

أحمد توفيق - قطر: السلام عليكم ورحمة الله.

خديجة بن قنة: وعليكم السلام ورحمة الله.

أحمد توفيق: جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم على البرنامج الطيب، بس أريد أن أضيف نقطة وطلب بخصوص قضية تقصير الجماعات الإسلامية في قضايا البيئة وللأسف إنه أي نظام أو أي نشاط يقوم في هذه الجماعات يتم محاربتها وعلى سبيل المثال يعني بعض الإخوان اللي قاموا في نشاطات في برنامج صُنَّاع الحياة في بعض الدول تم محاربتهم وهم هذا طبعا للأسف خوفا من أن تقوم هؤلاء الشباب في نشاطات سياسية وهذا أعتقد يتعلق في برضه الحلقة الماضية إنه هل إذا اتجه الشباب أو هل اتجه الإسلاميون إلى أنشطة طبيعية غير سياسية هل سوف يتركهم الحكام؟ هذه نقطة نقولها، طبعا لا ننسى إنه في بعض الدول جزاهم الله الخير قاموا وتفاعلوا مع بعض الأنشطة، أما قضية الجمعيات التي طالبت بحماية البيئة فالدول الغربية عندما بدأت هذه الجمعيات بدأت بأفراد عندما شعرت هذه الأفراد بخطورة ما تفعله الحكومات بدؤوا هؤلاء الأفراد يُنشِئوا جمعيات ويقوى حتى بدأت الحكومات تدعمها، فنحن نتمنى أن يقوم علماء ثقاة يعني تكون الحكومات راضية عنهم ولا تخشى منهم يقوم هؤلاء بتنظيم هذه الأنشطة حتى نحافظ على البيئة قدر الإمكان وهي أن تكون أمر يعني بجانب الوطن وبجانب يعني غير ليس هدفه أي تهجم أو أي اعتداءات بس مجرد إنه نشاط سلمي تام مساند للبلد وجزاكم الله خيرا.

خديجة بن قنة: نعم وصلت الفكرة شكرا لك أحمد توفيق، نأخذ تعليق فضيلة الشيخ بعد فاصل قصير ثم نعود إليكم.

[فاصل إعلاني]

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة، موضوعنا اليوم رعاية البيئة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الشيخ أثار الدكتور أبو بكر باقادر من السعودية مسألة مهمة وهي حاجة.. عفواً الدكتور سفيان التل وهي حاجة العالم الإسلامي للتعاون مع العالم بشكل عام والعالم الغربي في مسألة حماية البيئة ورعايتها، إلى أي مدى نحن فعلا بحاجة إلى مثل هذا التعاون مع الغير لنحافظ على هذه البيئة؟

"
يجب أن يصدر كل بلد تشريعات رادعة لحماية البيئة، وتتعاون البلاد العربية مع الإسلامية في إطار مشترك لتكوين كتلة قادرة على التعاون مع الجانب الغربي
"
يوسف القرضاوي: أولا يجب أن يقوم كل بلد في إطاره الخاص بتنظيم هذا الأمر، يعني تُصدر التشريعات لحماية البيئة وردع كل مَن يتجاوز الحق في هذا، كل من يعمل على تلويث البيئة، كل مَن يُسبب في زيادة المخاطر على.. لازم التشريع، لازم تكون هناك تشريعات رادعة لهذا الأمر والتشريع وحده لا يكفي، البشر لا يكفيهم.. القوانين لا تصنع الحياة الفاضلة إنما تصنعها التربية والثقافة، فلابد من الجانب التربوي والجانب الثقافي والجانب الإعلامي ليسير جنبا مع جنب مع الجانب القانوني والتشريعي وبعد كل بلد يحدث تعاون من البلاد العربية ثم البلاد الإسلامية بعضها مع بعض لازم نعمل إحنا فيما بيننا إطارا مشتركا نتعاون فيه، المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، فنستطيع نعمل كتلة في هذا الجانب توجهها تعاليم.. وبعد ذلك نستطيع نعمل أيضا مع الجانب الآخر، الجانب الغربي الذي يملك القوة الكبرى والذي يتسبب في تلويث البيئة أكثر من غيره ونستطيع إن إحنا حينما نكون قوة نقول لهم يا ناس ارحموا خلق الله وارحموا عباد الله وارحموا هذه الأرض من ملوثاتكم، هم مشكلة القوى الكبرى إنها تُحب أن تُحاكِم غيرها ولا يحاكمها أحد، لا يُسأل عما يفعل..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: لكن نعم ولكن فضيلة الشيخ نحن معنيين..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: فهي.. فنحن نريد أن نكون قوة ونقول لهم يعني تعالوا نقف على يعني حد سواء نحن وأنتم ونبحث عما يضر البيئة فنستطيع أن نقول لا لما يفعله الغربيون وفي الأشياء التي يعني تحتاج إلى تعاون الله تعالى أمَرنا أن نتعاون على البر والتقوى مع كل الإنسان، التعاون فريضة عندنا مادام على الخير.

خديجة بن قنة: نأخذ قبل أن نواصل في الإجابة على أسئلة المشاهدين منهم سؤال أحمد توفيق، لكن قبل ذلك نأخذ محمد سالم من لبنان حتى لا يطيل الانتظار تفضل.

محمد سالم: السلام عليكم.

خديجة بن قنة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

محمد سالم: يا فضيلة الشيخ أنا عندي سؤال عبارة عن آية قرأتها في القرآن الكريم أظنها في الجزء الثالث عشر بس ماني متذكر السورة بالضبط الآية تقول.. وهي متعلقة بالبيئة برضه {وإن مِّن قَرْيَةٍ إلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ} {كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُوراً}..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: {أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً}.

محمد سالم [متابعاً]: والله ماني حافظها بالضبط بس هذا يعني حطيت كده (High Light) عليها وهل هذا له علاقة يعني بتدمير الإنسان بالبيئة قبل أن تُدمر من قِبل الخالق؟ أفتونا جزاكم الله.

خديجة بن قنة: شكرا لك، عبد الله أحمد من السعودية تفضل.

عبد الله أحمد: .. ولشيخنا الكريم الشيخ يوسف القرضاوي معلومة ودي يعني أداخل بها تُنتج الدول الصناعية الكبرى في أوروبا خمسة ملايين طن من النفايات الكيميائية والنووية أما أميركا تُنتج سبعة ملايين وكندا مليون طن وروسيا مليون طن وأما دول العالم الثالث مجتمعة فتنتج مليون طن من النفايات ومع الأسف كان التعامل مع هذه النفايات يتم بعيد عن روح المسؤولية، فقد كانت بريطانيا تلقي بالنفايات في أنهارها وفي بحر المانش بل وفي الممر الفاصل بين اسكتلندا وأيرلندا الشمالية وفي مواقع داخل بريطانيا وتطور الأمر حتى أصبح أن الحل الأمثل كما ترى يعني الدول الصناعية المتقدمة دفن النفايات في الدول النامية ويلاحظ أن تزايد الفساد وتدهور سلطة الدولة وسقوطها يمثل الضوء الأخضر لقدوم الشاحنات المرعبة التي يعني تدس بها تلك الدول، يعني أمثلة أفاد التقرير الدولي أنه تم دفن نحو ملايين طن من النفايات في إحدى عشر دولة آسيوية خلال أربع سنوات، في لبنان تم اكتشاف شحنة نفايات قادمة من ألمانيا، في الصومال كان انهيار الدولة عاملا أساسيا في تحول المياه الإقليمية والأراضي الصومالية إلى مقبرة للنفايات، تم اكتشاف مدافن نفايات في إحدى الولايات النيجرية وفي الصين يجري التحقيق وصول شاحنات نفايات أميركية إلى مواني عديدة، في البوسنة تتهم السلطة البوسنية قوات حفظ السلام ببناء مستودع كبير لتخزين النفايات النووية، كل هذا يعني نستغرب نحن كيف هذا التعامل من مثل هذه الدول مع هذه النفايات ومع هذه البيئة والمحافظة عليها. إن عدم مطالبتنا بالتعويض سيؤدي غالبا إلى أن تطالبنا أميركا مستقبلا بدفع التعويضات للجنود الذين أصيبوا بسبب مشاركتهم في تحرير الكويت على سبيل المثال ومن لا يصدق هذا الاحتمال فليعلم أن أميركا اشترطت على فيتنام من أجل تطبيع العلاقات معها دفع ثلاثمائة مليون دولار لشركات أميركية تعويضا لها عن خسائر تكبدتها أيام حرب فيتنام، شكرا لكم.

خديجة بن قنة: شكرا لك وهذا ما ذكرناه منذ قليل عندما قلنا إن الولايات المتحدة ترفض حتى الآن التوقيع على اتفاقية كيوتو حول البيئة حتى لا تتحمل كل هذه..

يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: في الحقيقة هذه المعلومات الخطيرة التي ذكرها الأخ يعني تُنبهنا على أمر في غاية الأهمية إن هناك حرب هذه حرب على البلاد النامية، هذه حرب أخطر من الحرب التي يُقتَل فيها آلاف من البشر، هذه الحرب مدمرة لا يحس بها الناس، حرب خفية في الحقيقة، هذا عدوان خطير وما يذكره الأخ إن يجب أن نطالب بالتعويضات هو هذا هو الواجب. ولكن المهم يعني كما يقول يعني تحكَّم الذئب فاخضع أيها الحمل، يعني هم الذئاب ونحن الحُملان فهم يتحكمون فينا، هؤلاء يفسدون الحياة، يدمرون الكون بهذا الأمر وهو ده اللي يؤدي إلى العذاب الذي ذكره الأخ {وإن مِّن قَرْيَةٍ إلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا} لعل الإهلاك أو التعذيب بسبب هذه الأشياء فهو من ضمن أسباب الهلاك والعذاب للبشرية، يجب أن يقف الناس ضد هذا الظلم والعدوان، إلى متى يظل الناس صامتين ساكتين عن هذه الجرائم الكبرى؟ هذه جرائم من أخطر الجرائم وأعظمها.

خديجة بن قنة: خصوصا أنه تحدث عن مئات الأطنان من النفايات تحدث عنها في هذا التقرير.

يوسف القرضاوي: الأخ ذكر ملايين مش مئات، ملايين الأطنان، يعني سبعة مليون. ذكر أن أميركا سبعة مليون وحدها.

خديجة بن قنة: نعم أعود إلى سؤال أحمد توفيق عندما تحدث عن اتجاه الشباب العربي والمسلم حاليا إلى أنشطة بيئية، بروز هذا النوع من الوعي البيئي لدى شبابنا اليوم بفضل بعض البرامج التليفزيونية، لكن قال إنه حتى هذا النشاط البيئي يُخيف الحكام وأن بعض الشباب يُمنَعون في بعض الدول من ممارسة أي نشاط بيئي خوفا من أن يوظَّف لأغراض سياسية، ما رأيكم؟

يوسف القرضاوي: هو يعني أصبح كل شيء يتسم باسم الإسلام أصبح مخيف، العمل الخيري الإسلامي هو أصبح يُخيف حتى لا يستغله الإرهابيون أو كذا، تُعطَّل الجمعيات الخيرية، تُعطَّل كفالة الأيتام لعشرات الآلاف، تُعطَّل المعونات للمحتاجين من الأرامل والمساكين والضعفاء، إطعام الجياع ما أصبح هذا ممنوعا لأنه ده عمل إسلامي، العمل البيئي لخدمة البيئة أيضا يُخيف، كل مَن يتحرك لعمل شيء ليُعلِّم جاهلا، ليُشغل عاطلا، ليُدرب عاملا، ليُداوي مريضا، ليعالج مشكلة من المشكلات ما دام يعني بيحمل الإسلام أصبح اسم الإسلام هو نفسه جريمة مخيفة هذه هي المشكلة، إلى متى نظل هكذا؟ لازم نُحمِّل المسؤولية للذين يعني حمّلهم الله المسؤولية عن الأمة، رعاة الأمة كل راع مسؤول عن رعيته "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" فالإمام راع، الحاكم، الأمير، الملك، رئيس الجمهورية، المسؤول، كل.. فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والأفراد مسؤولون عن.. يعني لا نريد أن نحمِّل بس الحكام إنما الحكام يحملون المسؤولية الأكبر لأن مسؤولية الإنسان على قدر ما مُلِّك من سلطة، على قدر ما عنده من إمكانيات فمسؤولياتهم أكبر من غيرهم.

القيمة الجمالية للبيئة في الإسلام

خديجة بن قنة: فضيلة الشيخ تحدثنا عن المنافع التي ينتفع بها الناس من الموارد البيئية، لكن هناك جانب آخر وهو القيمة الجمالية لهذه البيئة، تنوعها تنوع هذه البيئة ويعني الله سبحانه وتعالى خلق إضافة إلى هذه المنافع قيما جمالية لهذه البيئة، هل لك أن تعطينا فكرة كيف يمكن أن نتذوق هذا الـ..

يوسف القرضاوي: الإسلام يعني عُني بأمور عديدة يبين لنا المنافع التي بثها الله في الكون، الله سبحانه وتعالى خلق كل ما ينفع الإنسان في هذه الأرض أو هذا الكوكب الذي نعيش عليه في البر والبحر، في كل شيء يحتاج إليه الإنسان موجود في هذه البيئة. وأيضا من الأشياء التي نبّه عليها الإسلام والقرآن عنصر التوازن، في ميزان كوني هذا الكون ليس سبهللة ولا فوضى ولا اعتباطا، كل شيء فيه موضوع بحساب كما قال تعالى {وكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} {وأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} {وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ}، يعني هذا الكون كل شيء فيه بنظام، لو المياه أكثر من كده ما كانش تقوم حياة، لو كانت أقل من كده لا تقوم الحياة، لو الأكسجين أكثر من كده كان يحترق العالم، لو أقل من كده لا يكفي للتنفس، كل شيء مضبوط، فيه واحد ألَّف كتاب عن الكون وقال إن هذا الكون فيه توازنات غريبة جدا، ظهر في أميركا نبات هذا النبات ينمو بسرعة وينتشر بسرعة جدا فهدد المدن، نبات يطلع بسرعة ويدخل في كل مكان ويعمل في.. احتاروا الناس يعملوا فيه إيه وبعدين اكتشف بعضهم إن فيه حشرة بتأكل هذا النبات فأخذوا هذه الحشرة واستنبتوها وكثّروها وسلطوها على هذا النبات قضت على هذا النبات.. كل شيء فيه مقابله، القرآن يحدثنا عن هذا التوازن الكوني ويقول {الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدَانِ والسَّمَاءَ رَفَعَهَا ووَضَعَ المِيزَانَ أَلاَّ تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ وأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالْقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزَانَ} حافظوا على التوازن في كل شيء، لا طغيان في الميزان ولا إخسار في الميزان، لا نطغى إلى حد الإسراف والتجاوز ولا ننزل إلى حد التفريط والتقصير، هذا التوازن.. وهذا من الجمال الذي وضعه الله في هذا الكون. ربنا خلق هذا الكون بحيث يكون كَوْنا جميلا، ذكرت أنا في أوائل البرنامج أن الله تعالى قال {صُنْعَ اللَّهِ الَذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} كل شيء متقن واخد حقه من الإتقان والإحكام، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} مش بس الإنسان حتى الحيوانات ذكر القرآن لوحة ربانية ذكرها القرآن يقول {والأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ومَنَافِعُ ومِنْهَا تَأْكُلُونَ} ودا العنصر النفعي المصلحي يعني يقول {ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ} انظر إلى جمال القطيع كده وهو ذاهب إلى المرعى وراجع من المرعى لوحة لو رسمها رسام نقول ما أجمل.. طب شوفها على الطبيعة القرآن يقول عن الماء {فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} ذات بهجة ذات حُسن وجمال، {وأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} هذا القرآن فعنصر الجمال وعنصر الزينة حتى يقول {والْخَيْلَ والْبِغَالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وزِينَةً} حينما يذكر لنا البحر يقول {وهُوَ الَذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِياً وتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}، الحلية للزينة لأن القرآن يريد أن يعني يُركز على جانب الزينة والجمال بجانب الفائدة والنفع كلاهما مطلوب، إحنا للأسف يعني نريد أن نُقبِّح ما حسَّنه الله، الأشياء الجميلة نريد أن نُشوِّهها بتصرفاتنا السيئة، فالأشجار الخضراء والأشياء الجميلة نريد أن ندمرها ونفسدها، القرآن يقول {حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ..} مين يضيع الحدائق ذات البهجة دية عشان يحط أسمنت بدلها، فنحن للأسف لا ندرك العنصر الجمالي، النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال "لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر" فبعض الصحابة قال له يا رسول الله إني رجل أولعت بالجمال في كل شيء، أحب أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنا ولا أحب أن يفوقني أحد بشراك نعل، يعني رباط النعل أو رباط الحذاء أحب يكون حتى الرباط أحسن من رباط الآخر فهل هذا من الكِبر؟ فقال له "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطل الحق وغمط الناس" الكبر إنك ترد الحق {أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ} أو تحتقر الناس هو ده الكِبر إنما الجمال وحب الجمال الله جميل يحب الجمال ولذلك المسلمون حاولوا أن يجعلوا الجمال في بيوتهم، الجمال في مساجدهم، مساجد المسلمين، الأستاذ رجاء جارودي يعني يتحدث عن الجمال ويقول أنا رأيت الجمال هذا في المساجد الإسلامية مساجد إسلامية في تركيا، مسجد السلطان أحمد أو المسجد الأزرق أو مسجد السليمانية أو مسجد قرطبة هذه.. دي كلها تُبين الجمال ولذلك يجب أن نُزين حياتنا ونُجمِّلها كما نستفيد منها أيضا.

خديجة بن قنة: نعم طيب فضيلة الشيخ ما هي الوسائل المعاصرة التي يمكن أن تساهم في حماية البيئة رقابة الرأي العام، التشريع، تربية الناس على الوعي البيئي من الصغر ما هي هذه الوسائل؟

يوسف القرضاوي: لابد من هذا كله، لابد التربية تدخل في هذا والتربية يعني نُربِّي التلميذ في المدرسة على هذا وتُربيه الأسرة على هذا، تعلمه إنه إذا اعتدى على شيء من البيئة تقول له لا ده لا يجوز، هذا لا يجوز، لو أخذ حاجة وكسّرها كذا أو خربها أو بالَ في غير مكان البول أو عمل حاجة لا تليق نقول له لا هذا الإفساد، لو اعتدى على دجاجة أو حمامة أو أي شيء نقول له لا هذا اعتداء على البيئة وعلى خلق الله وعلى مخلوقات الله نعلمه من الصغر هذا.

خديجة بن قنة: ولمَ لا إدخال في المناهج الدراسية إدخال مادة تتعلق بالبيئة؟

"
لا بد من إدخال مادة تتعلق بالبيئة ضمن المناهج الدراسية تكون مستقلة أو ضمن التربية الإسلامية، وهناك ركائز أساسية للتعامل مع البيئة تتمثل في التشجير والتخضير
"
يوسف القرضاوي: لابد نُدخل هذا لتكن مادة يعني مستقلة أو تكن مادة ضمن التربية الإسلامية والتربية الإسلامية تدخل رعاية البيئة وحماية البيئة والإحسان بالبيئة، أنا ذكرت هناك ركائز أساسية للتعامل مع البيئة، هناك التشجير والتخضير، إشاعة الشجر والخضرة، النبي عليه الصلاة والسلام قال "من غرس شجرة وقام عليها كان له من الأجر كذا وكذا.." الصحابي أبو الدرداء كان يغرس شجرة الجوز فقال له أنت رجل كبير وبتغرس شجرة ودي لا تثمر إلا بعد عدة سنوات قال له ومالي لا يعني آخذ أجرها ويستفيد منها غيري، أنا بأزرعها آخذ أجر الزراعة والرسول قال "مَن غرس غرسا أو شجرة أو زرع زرعا فأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" يعني الإنسان حتى ولو لم يستفد.. لو الطير أكل منه، لو الحيوان أكل منه يعني لو به صدقة إنه بيعمر الأرض، فالتشجير وتخضير الأرض هذا عبادة في نظر الإسلام، التعمير القرآن يجعل العمارة عمارة الأرض من ضمن أهداف خلق الإنسان، يقول {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} كلمة استعمركم السين والتاء بنقول دي في اللغة العربية للطلب، يعني طلب إليكم أن تعمروا الأرض، الإنسان مُكلف بالخلافة في الأرض، الخلافة في الأرض إنه يعمرها ويحييها يحيي الموات، فهذا أمر لابد منه، فلازم يعني التربية في المدرسة الثقافة العامة يدخل فيها وكما قلت حتى مش بس نعمل هذا في كتاب التربية الإسلامية كتاب القراءة والمطالعة نُدخل في هذه الأشياء ونطعمها بالتعاليم الإنسان لأن وُجد إن الدين هو أكثر تأثيرا في قلوب الناس وخصوصا الناشئة من أي شيء آخر، ما تقول له بس بمجرد كده.. لما تقول له الله يقول كذا الله يحب منك كذا فهذا يجعله إنه يقبل.

خديجة بن قنة: هذا إن بقي الدين جزءا من المناهج الدراسية في المستقبل.

يوسف القرضاوي: المفروض إن الدين يعني سيبقى إن شاء الله، لا يستطيع أحد أن يُزيل الدين وخصوصا في بلادنا إذا كانت أميركا البلاد دي بيحاولوا إنهم يرجعوا إلى الدين فلماذا يريدون أن يذهب الدين من عندنا؟ فلازم من التربية، لازم من الثقافة، لازم من الإعلام يشارك في هذا، لازم من القوانين تساهم في هذا، لازم من الناس الذين يعملون في رعاية البيئة مؤسسات تقوم لهذا الأمر، أحزاب زي أحزاب الخُضَر الدولة ووزارتها المختلفة لا لابد..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: هل تشجعون فضيلة الشيخ قيام أحزاب على..

يوسف القرضاوي: آه ليه لا؟ ليه ما يقوم الناس نقوم للحفاظ على البيئة لأنه أمر خطير، الحفاظ على البيئة من الأخطار الداخلية والحفاظ على البيئة من الأخطار الخارجية الذين بيصدرون إلينا النفايات ويعملون عندنا هذه الأشياء ولا يبالون ماذا تصيب البشر بعد ذلك لا مانع من هذا أبدا.

خديجة بن قنة: نعم فضيلة الشيخ هناك من ذهب إلى حد الدعوة إلى إنشاء محاكم دولية للجرائم ضد البيئة على شاكلة المحاكم الدولية للجرائم ضد الإنسانية هل تؤيدون مثل هذه الفكرة؟

يوسف القرضاوي: المعلومات اللي ذكرها الأخ الكريم اللي اتصل من السعودية نسيت اسمه..

خديجة بن قنة: الدكتور باقادر.

يوسف القرضاوي: تجعلنا نشجع بل ندعو ونحرض على قيام مثل هذه المحكمة على أن تُعطى سلطات لتستطيع أن تُحاكم من تشاء، المُشكِل إن هم هناك ناس فوق المحاكمة ناس لا يوقِّعون على قيام هذه المحاكمة حتى لا يدخلوا فيها وناس يعني بيعتبرون أنفسهم فوق البشر، زي إعطاء حق الفيتو لمجموعة من الدول دون الغير لماذا يعني أهؤلاء آلهة؟ يعني المحكمة مطلوبة ولكن نريد أن تكون هذه المحكمة قادرة على أن تحاكم أي متطاول على البيئة، مفسد للبيئة، مدمِّر للبيئة ولو كانت الدول الكبرى فلابد أن تخضع لهذه المحكمة، ليس في العدل كبير، العدل يحكم على كل إنسان كبيرا كان أو صغيرا، غنيا كان أو فقيرا، حاكما كان أو محكوما، العدل فوق الجميع، الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل ليقوم العدل {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ والْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} والناس قالوا بالعدل قامت السماوات والأرض إن الله خلق السماوات والأرض بالحق والعدل أساس من أسس الحق.

خديجة بن قنة: نعم فضيلة الشيخ ربما الإسلام تجاوز يعني فكرة حماية أو رعاية البيئة إلى التأمل والتفكُّر في هذا الكون وتنوعه وأسراره وسنن تسخيره..

يوسف القرضاوي: الحقيقة الإسلام يعني له في رعاية البيئة مواقف ولا يستطيع أحد أن يماري فيها ولم تصل أمة إلى ما وصل إليه الإسلام في هذه الناحية ومن قرأ تاريخنا وقرأ ثقافتنا وقرأ كيف حافظ الفقه الإسلامي على البيئة ووضع كثير من التفاصيل في حماية البيئة من المحلات اللي بتعمل كذا من الحدّاد اللي بيدخن ويعمل من النار من أشياء الناس اللي بيستخدموا الأبوال والأشياء والألواث وهذه الأشياء، عندنا كان نظام في الإسلام اسمه النظام الحِسبة المٌحتسِب يعني هناك من المؤسسات الأساسية كان المؤسسات القضائية كانت تتدخل في حماية.. الخلفاء أنفسهم كانوا يتدخلون في حماية البيئة، سيدنا عمر بن الخطاب وسيدنا عمر بن عبد العزيز ينهون الناس أن يجوروا على الحيوانات أو يجوروا على الأرض أو هذه الأشياء، عمر بن عبد العزيز أرسل إلى وُلاته أمروا الناس ألاَّ يُحمِّلوا الإبل فوق خمسمائة رطل أو كذا لأن الناس يعني مثل ما ذكر الأخوة اللي إنه أميركا الجماعة دولا والأوروبيين يريدون أن يربحوا ولو على حساب يعني مصلحة الناس وحياة الآخرين، لا يقول لهم لا حتى الحيوان لازم تراعي هذا الحيوان لا تُحمله فوق.. من أجل أن تربح أنت، فالإسلام بيعتبر الكون بيعتبره نعمة من ناحية وبيعتبره آية من ناحية أخرى ومادام الكون نعمة يجب أن تشكر الله على ما وضع في هذا الكون من نِعَم لا تُعد وما دام آية لابد أن تتفكر في آيات الله في هذا الكون وهي آيات يعني تملأ القلوب والعقول والأبصار.

خديجة بن قنة: نعم التأمل والتفكر نعم أدركنا وقت البرنامج.

يوسف القرضاوي: والله تعالى يقول {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ، الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وقُعُوداً وعَلَى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً}.

خديجة بن قنة: نعم، بهذه الآية نختم حلقتنا هذه حول رعاية البيئة ولا يسعنا في نهايتها إلا أن نشكر فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي ومخرج البرنامج منصور الطلافيح ومُعد البرنامج معتز الخطيب وكل فريق البرنامج، لكم منا أطيب المنى وإلى اللقاء في حلقة الأسبوع المقبل بحول الله، السلام عليكم ورحمة الله.

اشترك لتصلك أخبارنا

Please publish modules in offcanvas position.