محادين والتل أصبحا 'نجمين' وقوى في الحكم تسأل: من الذي قررالإفراج عنهم

كتب: بسام البدارين - عمان

يمكن القول وباختصار ان كلا من الكاتب الصحافي موفق محادين والناشط السياسي سفيان التل تحولا بعد الآن وبقرار رسمي هذه المرة إلى رمزين جديدين لمخاصمة التوجهات الرسمية والإعتراض عليها وسيجلسان بالتاكيد إلى جانب نخب وشخصيات وطنية أخرى كثيرة في صف المنتقدين والمعارضين الذين يستقطبون الأضواء ويتصدرون المشهد باعتبارهما نجمين، سياسيا وإعلاميا، خدمتهما الدوائر الرسمية أكثر مما خدمت موقفها او رسالتها من وراء إعتقالهما.\

ويمكن القول أيضا (وهذا قد يكون الأهم) أن تبرؤ عدة جهات رسمية مسبقا من واقعة توقيف واعتقال الرجلين قبل الإفراج عنهما لا يعني فقط رسم ملامح رسالة سياسية تخيب فيها المؤسسة المرجعية آمال المنظرين للتشدد والقيود في حريات التعبير، ولكن يعني أيضا بان أقنية القرار السياسي لا زالت تحجم عن عزف نغمة موحدة مدروسة بعناية في واحد من أهم أمراض الجهاز البيروقراطي.

قبل ذلك تحول الإفراج عن المحادين والتل إلى مناسبة عامة تستدر الأضواء أنتجها نشطاء النقابات المهنية الذين رأوا في التعامل مع المسألة فرصة لتصدر المشهد والتمسك بقوة المؤسسة النقابية، خصوصا ان التل من رموز مقاومة التطبيع وكذلك محادين الذي يعتبر من رموز مقاومة التطبيع مع الأمريكيين ايضا وليس الإسرائيليين فقط.

كما تحول توقيف الرجلين قبل ذلك إلى مناسبة لتحشيد القوى والتموضع عبر دعوات النشطاء لتنظيم زيارات جماعية لهما في السجن والأهم إلى مناسبة تتنشط فيها خلايا المعارضة النقابية والحزبية والإعلامية خصوصا تلك التي وجدت الفرصة متاحة لمناكفة الحكومة الحالية والسلطة لأسباب لا علاقة لها لا بالحريات العامة اولا ولا بدعم خط التيارات التي يمثلها محادين والتل ثانيا.

وبوضوح الآن وحتى داخل بعض المستويات الوزارية في حكومة سمير الرفاعي يتم استعراض 'الخدمات' التي تم تقديمها لكل من محادين والتل سياسيا وإعلاميا ونقابيا بدون ان تنتهي قضيتهما بأكثر من رسالة يمكن توجيهها بطريقة مختلفة ولا تمثل الحكومة ولم تحظ بالغطاء السياسي.

قبل اعتقاله كان الدكتور التل نشطا جدا في المساحة المحببة عند الشعب الأردني وهي تلك المختصة بتفنيد وفضح دور السلام مع الإسرائيليين والسماح للسلطات باعتقاله وسجنه كان يعني ببساطة تقليم أظافر كل الجبهات المشتغلة في مقاومة التطبيع وفي وقت حرج للغاية، الأمر الذي يفسر مستوى التضامن الصاخب مع الرجل حتى من قبل بعض رجال الحكم والدولة الذين لم يعجبهم تسييس الإفراج عن محادين والتل بدون تسييس اعتقالهما بالمقابل.

وقيمة التل انه خبير دولي في البيئة وسبق ان شغل مركزا وظيفيا مهما في الجهاز الرسمي وتعتمده مؤسسات الأمم المتحدة بالسياق ويتحدث الرجل منذ سنوات كناشط إلكتروني عن آثار إسرائيل المدمرة على بيئة المنطقة وعبثية السلام معها، لكن الرجل وبعد توقيفه أصبح رمزا سياسيا وإعلاميا بكل بساطة ودون ان يقصد ذلك والتوقعات ان تبدي وسائل الإعلام إهتماما أكبر بعدما حدث بإنتاجه الثقافي والبيئي والسياسي.

وقبل اعتقاله ورغم صعوبة العبارات التي صدرت منه في محطة 'الجزيرة' كان المحادين كاتبا صحفيا وطنيا وصلبا ومن عناوين الصلابة المهنية الزاهدة جدا بالأضواء والتي لا تنشغل بأي طموحات شخصية، لكنه اليوم في الواجهة لنفس الأسباب سالفة الذكر بعد التضامن النخبوي والشعبي والمهني معه.

والأضواء ستلاحقه مستقبلا رغم انه لا يحبها ومن الواضح ان قائمة المحامين المدافعين عنه مع التل والتي بدأت بمحام واحد فقط هو البعثي الصلب رياض النوايسة ستتزايد حيث وصلت الآن لأكثر من خمسة محامين وستضم العشرات إذا ما أرادت نقابة المحامين تبني المسألة بإعتبارها قضية حريات.

واللافت في السياق ان الصحافة الأردنية بما في ذلك الرسمية إمتنعت تماما عن انتقاد المحادين والتل او الدفاع عن توقيفهما فقد برزت مقالة واحدة فقط لمسؤول التلفزيون صالح القلاب خدم نشرها الرجلين بكل تأكيد وضم للمتعاطفين معهما أصدقاء غير متوقعين من خصوم القلاب والمعترضين عليه وهم كثر في الواقع الموضوعي.

بالمقابل تضامنت صحيفتا 'العرب اليوم' و'الغد' بوضوح مع الرجلين وإنتقدتا واقعة إعتقالهما لأسباب تتعلق بالرأي حتى وهما يطلقان آراء تتقاطع مع أشواق الأردنيين ومشاعرهم، كما قال موسى برهومه رئيس تحرير 'الغد' وهو يستذكر غضب الملك عبدلله الثاني شخصيا قبل أكثر من عام بسبب إعتقال احد الصحافيين وقوله انه لا يريد ان يرى بعد الآن صحافيا بالسجن بسبب رأيه.

بالسياق أيضا شكل تنصل الحكومة من واقعة القصة برمتها علامة فارقة حينما أعلن رئيس الوزراء الرفاعي ان حكومته لا علاقة لها بالأمر ولم تصدر عن موظفي القصر الملكي تعليقات على الأنباء التي نشرتها مواقع محلية وتحدثت فيها عن تدخل رئيس الديوان ناصر اللوزي واتصالاته لتأمين الإفراج عن الرجلين، فيما لم يخف المفوض الأهم في ملف حقوق الإنسان الوزير السابق محيي الدين توق إهتمامه العلني باسم المركز الوطني لحقوق الإنسان في مسألة الإفراج واتصالاته بالسياق وهو (أي توق) رجل لا يتحرك بكل تأكيد من تلقاء نفسه، وكذلك اللوزي.

الآن يقال في أروقة عمان وبدون مواربة ان بعض العبارات التي وردت على لسان الناشطين محادين والتل قد لا تكون لائقة ولا تمثل تطلعات المواطنين وتجرح خلافا للأشواق الشعبية مؤسسات سيادية يحترمها الأردنيون، لكن المضمون السياسي لما قاله الرجلان له أنصار ومؤيدون، ونتائج وتداعيات اعتقالهما الذي لم يكتمل أسوأ على صورة البلاد من النتائج التي يمكن ان تكون إيجابية.

لكن الإفراج عنهما يؤشر على تواصل الضمانة الملكية بعدم سجن أصحاب الرأي وعلى عدم وجود اجندة مرجعية في مسألة ملاحقة أصحاب الرأي المختلف مع توجهات الدولة ومضايقتهم فتفاصيل عملية الإفراج تقول ذلك ضمنيا.

بهذا المعنى إنتهى مشهد محادين والتل على الطريقة الأردنية التسامحية إياها التي يألفها الجميع لكن بقي السؤال داخل بعض أروقة القرار وتحديدا الحكومية مطروحا.. ما دام الرفاعي ليس طرفا بالإعتقال والقضية، وما دام اللوزي وتوق تحركا بالإتجاه المضاد للإعتقال وكذلك الصحافة، فمن هي الجهة التي صادقت على الغطاء السياسي وقررت المشهد لينتهي بنتائج قد تكون معاكسة للمرسوم ولماذا؟

القدس العربي

اشترك لتصلك أخبارنا

Please publish modules in offcanvas position.